إسرائيل من الداخلالاقتصاد الإسرائيلي

كيف أثرت التعويضات الألمانية على الاقتصاد الإسرائيلي : عقدة الذنب تبيض ذهبًا

التعويضات الألمانية | كتب- أحمد بلال:

نجحت الحركة الصهيونية، ثم إسرائيل بعد تأسيسها في استغلال «الهولوكوست» بشكل كبير، ليس فقط في الحصول على دعم سياسي لإقامة دولة للصهاينة اليهود، وإنما أيضًا في الحصول على دعم مالي ألماني يُعرف بـ«التعويضات الألمانية»، على أنه «تعويض» من الحكومة الألمانية لإسرائيل، التي أصبحت تقدم نفسها، من خلال حكومتها، على أنها الممثل الشرعي والوحيد، ليس فقط لكل يهود العالم، وإنما لكل ضحايا الجرائم النازية التي وقعت كلها قبل قيام إسرائيل نفسها.

بعد عامين فقط من قيامها، في 1950، أجرت إسرائيل وألمانيا محادثات تمهيدية، حول اتفاقية بين الجانبين تقضي بدفع ألمانيا «تعويضات» لإسرائيل، وهي الاتفاقية التي تم توقيعها في 10 سبتمبر 1952، وعرفت باسم «العويضات الألمانية» وقد بلغت قيمة الاتفاق 3450 مليون مارك ألماني، أي ما يساوي 846 مليون دولار، بأسعار عام 1953، ولإدراك أهمية المبالغ المشار إليها في ذلك الحين، تجدر الإشارة إلى أن صافي واردات إسرائيل في ذلك العام بلغ 280 مليون دولار.

التعويضات الألمانية

 

كان الحديث عند توقيع اتفاق التعويضات الألمانية الأول يدور حول 846 مليون دولار، لكن وقبيل انتهاء فترة الاتفاق في 28 مايو 1965، أعلن ناطق بلسان المستشار الألماني أن إسرائيل حصلت حتى ذلك التاريخ على مبلغ ستة مليارات و887 مليون دولار من أصل 11 مليارًا و 287 مليون دولار ستدفع في النهاية.

مع دخول اتفاق التعويضات الألمانية حيز التنفيذ عاد الناتج المحلي الإسرائيلي للتزايد بوتيرة عالية بعد أن كان قد حقق نتائج سلبية في عام 1953، وهو العام الذي بدأ في نصفه الثاني التنفيذ العملي للاتفاق. ولذا، لم تكن مصادفة عودة الناتج المحلي إلى التدني الشديد في عام 1966، وهو العام التالي لانتهاء العمل بالاتفاق في عام 1965.

فضلًا عن اتفاق عام 1952، وقعت ألمانيا وإسرائيل، اتفاق آخر سنة 1953، وبدأ سريان مفعوله سنة 1954، وهو الأهم سواء لمدة سريانه أو لحجم المبالغ التي تدفقت بموجبه، فقد تلقت إسرائيل من ألمانيا خلال الفترة 1953- 2002، وبموجب الاتفاقين المذكورين 19 مليار و335 مليون دولار، وهذا المبلغ يساوي 23 ضعف الرقم الأصلي للتعويضات كما أقره اتفاق التعويضات سنة 1952.

اتفاقية لوكسمبورج

 

لم تتسلم إسرائيل التعويضات الألمانية نقدًا، بل في شكل مشتريات من البضائع الألمانية والأجنبية، على مدار 12 عامًا، هي مدة تنفيذ الاتفاق، وقد تم قبول 80% من الاتفاق في صورة شحنات من سلع رأسمالية من جميع الأنواع.

كما شملت «التعويضات الألمانية» أيضًا، معونات عسكرية، حيث اعتمدت إسرائيل على المعونات العسكرية الألمانية خلال الخمسينيات والستينيات، وهي المساعدات التي قامت ألمانيا بموجبها بتمويل شراء إسرائيل لأسلحة أمريكية، مثل ما حدث في عام 1963 حينما قدمت ألمانيا 60 مليون دولار لتمويل شراء صفقة دبابات أمريكية الصنع لإسرائيل.

إلى جانب اتفاقية لوكسمبورج التي أقرت التعويضات الألمانية التي تقدمها ألمانيا لإسرائيل الدولة، تم توقيع اتفاق «تعويضات» آخر للأفراد، وسرى مفعول هذا الاتفاق في عام 1954، ومازال ساريًا.

ويقول الدكتور عبد الوهاب المسيري، في موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية إن التعويضات الألمانية للأفراد تبلغ ما بين 700: 900 مليون دولار سنوياً.

وتأتي الزيادة في «تعويضات» الأفراد، بعكس ما هو طبيعي، حيث المفترض أن تقل نسبة هذه «التعويضات» للأفراد، مع مرور الزمن، لا أن تزيد، لأن الطبيعي هو تناقص عدد المستفيدين منها مع مرور الزمن.

التعويضات الألمانية
التعويضات الألمانية مبدأ أقرته اتفاقية لوكسمبورج لتعويض ضحايا الهولوكوست

العلاقة بين ألمانيا وإسرائيل

 

ويرى الدكتور حسين أبو النمل، أن هناك تضليلًا إعلاميًا إسرائيليًا حول قيمة التعويضات الألمانية التي دفعتها ومازالت تدفعها ألمانيا لإسرائيل، حيث تعمل وسائل الإعلام الإسرائيلية طوال الوقت على التقليل من أرقام التعويضات، وأشار أبو النمل إلى أن اتفاق التعويضات بين ألمانيا وإسرائيل، الذي كان يفترض أن ينتهي مفعوله سنة 1965، مازال ساريًا حتى عام 2002، وليس ما ينبئ بأن هنالك نهاية قريبة له.

ويرجح بعض الباحثين أن تكون إسرائيل قد وقعت أكثر من اتفاقية مع ألمانيا قبل انتهاء مدة العقد الأول، على الاتفاقية الأولى، وأنها ستحصل بموجب هذه الاتفاقيات على أكبر قدر من المساعدات، حتى عام 2030.

ويمكن القول إن اتفاقية لوكسمبورج التي أقرت التعويضات الألمانية كانت حدثًا استثنائيًا في حياة إسرائيل، من ناحية حجم المبالغ التي تدفقت أو أوجه إنفاقها. فلقد أسهمت التعويضات بدرجة كبيرة في تغيير بنية الاقتصاد، خصوصًا في تلك الفترة التأسيسية المهمة والحساسة، حيث صارت البلاد تعتمد على الصناعة أساسًا. وإذا كانت أموال الحقبة الأولى قد خلقت القاعدة الصناعية، فإن ما تدفق من موارد بعد ذلك مكن الصناعة الإسرائيلية من تحديث وتطوير نفسها، والدخول من الباب الواسع إلى طور الثورة الصناعية الثانية.

 

وتشير المصادر الألمانية نفسها إلى أن «ألفي مشروع صناعي من الحجم المتوسط حصلت على الآلات من الشحنات التي وردت بموجب اتفاق التعويضات الألمانية . وليس من المبالغة القول في وصف الشحنات التي وردت بأنها كانت تشكل عنصرًا أساسيًا واضحًا لذلك الاتفاق في جميع أنحاء إسرائيل، وبصفة خاصة في المناطق ذات الأهمية الصناعية، مما يوضح المساهمة التي كان أثرها بناء وفعالًا بأكثر من مجرد قيمة الأرقام في ذلك الوقت بالذات»، وهي فعلًا كذلك، لأن البرنامج التصنيعي الشامل الذي نُفذ، أعطى إسرائيل طابع الدولة الصناعية بما للكلمة من معنى.

الوسوم

أحمد بلال

صحفي مصري متخصص في الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية، ورئيس تحرير موقع "إسرائيل الآن". عمل في عدة صحف مصرية وعربية، ويعمل حاليًا في صحيفة "المصري اليوم".

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق