الصهيونية

الصهيونية واليهودية : كيف استغلت الحركة المفاهيم الدينة وموقف المتدينين منها

الصهيونية واليهودية | كتب- أخمد بلال:

ظهرت الصهيونية كمصطلح ديني قبل ظهورها كمدلول سياسي، وظهرت مع داود عندما ذهب إلى جبل صهيون وبدأ يُدشن لإقامة الهيكل. أما كمصطلح سياسي فقد ظهرت في القرن التاسع عشر، مع ظهور الحركة الصهيونية، وأقدم من ذلك أيضًا مع ظهور البروتستانتية، حيث سبقت الصهيونية المسيحية ظهور الصهيونية اليهودية.

 

كيف استغلت الصهيونية المفاهيم الدينية اليهودية

 

في تاريخ اليهود، والديانة اليهودية، فكرتين أساسيتين وهامتين، الأولى هي الاختيار (شعب الله المختار)، والثانية هي الخلاص (المسيح المُخَلِص). ومرت هاتين الفكرتين بمراحل تطور.

استغل الصهاينة هاتين الفكرتين لتحقيق أغراضهما، عن طريق تحفيز اليهود للهجرة إلى فلسطين، حيث كانوا يبثوها في العامة لتقبل الفكرة والهجرة إلى فلسطين. وبدأت الصهيونية المسيحية في استخدام هاتين الفكرتين ممهدة لظهور الصهيونية اليهودية، حيث آمنت البروتستانتية بأنه لا خلاص إلا إذا تجمع اليهود في فلسطين».

والذين يبحثون عن صلة تربط الصهيونية بالتراث اليهودي، يرون فيها رمزًا لمفهوم نهاية الأيام، والتحرر من المنفى، ونهاية لحياة التجوال، وهذا يعني في رأيهم أن الصهيونية امتداد للفكر الخلاصي في اليهودية.

وتتلخص فكرة الخلاص في القول بأن المسيح المخلص سيأتي قرب يوم القيامة، لإنهاء شتات تجوال اليهود بين أقطاب العالم، وسيسبق مجيئه استقرارًا يهوديًا في فلسطين. والخلاص في الفكر الديني اليهودي أيضًا هو لقاء بين الإنسان اليهودي وربه، وهو موعد حشري بعد نهاية الأيام، إلا أن الصهيونية حولته، إلى حوار بين الإنسان والعالم، وغيرت فكرة المسيح المخلص، من شخص خارق من نسل داود إلى حياة «الشعب اليهودي» حياة حرة في أرض فلسطين.

واستغل الصهاينة الأوائل هذه الفكرة، مع تنفيذها بأسلوب علماني وليس ديني، من خلال استغلالهم للظروف السياسية في المنطقة واللجوء لسياسة الاحتلال والاستيطان، وإقناع يهود أوربا بأنهم أمة مثل بقية الأمم التي يعيشون بينها، ولهم حق تقرير المصير كما بقية الأمم.

كما بدأت الحركة الصهيونية في إقناع يهود العالم أن فكرة الهجرة إلى فلسطين، فكرة قديمة، مستغلين الرحلات الدينية التي كان يقوم بها اليهود المتدينين إليها. معتبرين أن الصهيونية هي مرحلة من مراحل تطور الديانة اليهودية.

ويرتبط مفهوم الخلاص بظهور شخصية محددة، وقالت الصهيونية إن وجود اليهود في فلسطين سوف يُعجل بظهور المخلص. فالصهيونية اليهودية ترى أن وجود اليهود سيعجل بظهور المسيح، والذي لا يُشترط أن يكون شخصًا، وإنما مجرد تحرير اليهود ووجودهم في فلسطين، هو الخلاص.

 

الاختيار

هي فكرة ثابتة وراسخة في الفكر الديني اليهودي، ولكن مع ظهور الصهيونية، تعرضت هذه الفكرة إلى هزة بسبب التناقض في الفكر الصهيوني، فمنح اليهود حق المساواة مع بقية الشعوب، يتناقض مع فكرة اختيارهم وتمييزهم على الآخرين.

لذلك كلف زعماء الصهاينة الأدباء، مثل موشي هس، للتوفيق بين فكرتي «الاختيار» و«المساواة»، فقال إن اليهود كانوا قديًما مُختارين لأنهم يعبدون إله واحد، ولديهم مبادئ أخلاقية، يربطونها بين الأمم، ولديهم علاقة خاصة مع الله. أما في العصر الحديث فإن فكرة «الاختيار» لأن اليهود سيأتون من أوربا مركز الحضارة، لنشر الثقافة والحضارة في شعوب هذه «المنطقة المتخلفة». ورأى هس أن الدولة اليهودية التي إقامتها لها دور سامي في المنطقة.

 

ما علاقة الصهيونية باليهودية؟ وما موقف أبرز التيارات اليهودية الدينية منها؟

 

فشلت الحركة الصهيونية في أن تصبح حركة دينية تجديدية إصلاحية، كما فشلت كحركة علمانية أيضًا، حيث لم تنادي بالمساواة وإنما اعتمدت على مفاهيم دينية «الخلاص» و«الاختيار».

وعلاقة الصهيونية باليهودية هي علاقة مركبة ومتشابكة، ويمكن حصرها في ثلاث مستويات، مختلفة وقد تكون متناقضة:

  • كثير من الصهاينة يرفضون الدين اليهودي مثل هرتزل، الذي كان ينتهك العديد من قوانين وشعائر الديانة، حتى أن تحليله في كتاب دولة اليهود هو تحليل لا ديني، تخلى فيه عن الدين، وركز على العبرانية، وكان يريد أن يسميها الدولة «العبرية»، ولكن في سبيل حصول اليهود على دعم استقدم مصطلحات أخرى لتدعيم الدولة.
  • هناك من يقول بضرورة استغلال الحركة الصهيونية للدين لتحقيق أهدافها، وكان هدفهم اكتساب شعبية، عبر إضفاء صفة دينية على الحركة الصهيونية، تجعل الجماهير تنضم إليها، وهذا ما جعل بعض مؤرخي الدولة يقولون إن الصهيونية امتداد طبيعي لليهودية.
  • يقول إن الصهيونية استقت أفكارها من التراث الديني عند اليهود، ونظرت إليها بناءًا على أفكار ومفاهيم أسطورية موجودة في الدين اليهودي. حيث نظرت الحركة الصهيونية لنفسها على أنها امتداد للدين اليهودي، واستقدمت بناء على ذلك رموزها ومفاهيمها ومن بينهما «الخلاص» و«الاختيار»، لتكون مقبولة من العامة، وليكون لها جمهورها، الذي يؤيدها عندما تنتقل للسياسة.

ونشأت الحركة الصهيونية في أوربا كحركة قومية، وتطورت ضمن الحركات القومية الأوربية في القرن التاسع عشر، إلا أنها اختلفت عن هذه الحركات في أنها ليس لديها وطن قومي ولا لغة قومية، لذلك جعلتهما الحركة على رأس أولوياتها.

 

موقف الحركات الدينية اليهودية من الحركة الصهيونية

اليهودية الإصلاحية

من أهم مبادئها هي النظرة العالمية للدين، فاعتبرت اليهودية عالمية، حتى في الماضي، حيث كانت متاحة لأي شخص وتبشيرية حتى في القرن 13 الميلادي، ولكن بعد وضع شروط «عيزرا ونحميا»، تمت عنصرة الدين.

وهذه الحركة ليست جديدة، وترجع إلى العراق حيث ظهر «اليهود القرائين»، نتيجة «الحرية التي تمتع بها اليهود تحت الحكم الإسلامي».

وظهور الحركات الإصلاحية في اليهودية يعود إلى أزمة اليهودية الحاخامية أو التلمودية التي ارتبطت بوضع اليهود في أوربا قبل الثورة الصناعية. فقد فشلت اليهودية كنسق ديني في التكيف مع الأوضاع الجديدة التي نشأت في المجتمع الغربي ابتداءً من الثورة التجارية واستمرت حتى الثورة الصناعية وبعدها، ثم واجهت أزمة حادة مع تصاعد معدلات العلمنة.

وقد أدَّى سقوط الجيتو، ثم حركة الإعتاق السياسي إلى تصعيد حدة هذه الأزمة، إذ عرضت الدولة القومية الحديثة الإعتاق السياسي على اليهود شريطة أن يكون انتماؤهم الكامل لها وحدها، وأن يندمجوا في المجتمع سياسياً واقتصادياً وثقافياً ولغوياً، وهو ما كان يتعارض وبشكل حاد مع اليهودية الحاخامية التي عرَّفت الهوية اليهودية تعريفاً دينياً إثنياً، وأحياناً عرْقياً، وجعلت الانتماء اليهودي ذا طابع قومي.

وتؤمن اليهودية الإصلاحية بالتعايش مع الآخرين، ويرفضون إقامة دولة لليهود في فلسطين، ويقولون إن الحركة الصهيونية لا تخص اليهود بصفة عامة، وإنما تخص العقلية اليهودية شرق الأوربية.

وتختلف هذه الحركة مع الصهيونية، فالخلاص الذي رأته الحركة الصهيونية خلاصًا «قوميًا»، نظرت له اليهودية الإصلاحية على أنه «خلاصًا عالميًا جامعًا».

 

اليهودية المحافظة

هي حركة تقبل كل العناصر في الديانة اليهودية، وترفض كل ما هو دخيل عليها، وتؤمن بأنه ينبغي عليك أن تكون يهوديًا داخل بيتك، وأن تتعايش مع المجتمع.

شجعت اليهودية المحافظة، الحركة الصهيونية لأسباب إنسانية وليست دينية، بل أن الكثير ممن اعتنقوا هذا الفكر أبدوا تحفظات على الصهيونية السياسية، ورأوا أنها حلمًا رومانسيًا لا يجوز تحقيقه، وأن أهدافها علمانية ومنافية لليهودية المحافظة.

 

حركة إعادة بناء اليهودية

تنظر إلى الديانة على أنها حضارة وثقافة دينية، أي أن اليهودية تشمل الدين والتاريخ والأدب والنظام الاقتصادي والاجتماعي. كان لدى المنتمين لهذه الحركة ميولًا للأفكار والمبادئ الصهيونية، وخاصة الروحية التي مثلها «آحاد هاعام».

 

هل الصهيونية حركة دينية؟

ليس هناك بناء ديني كامل للحركة الصهيونية، ولم تبدي الصهيونية أطروحات لمفاهيم دينية وعقائدية باستثناء «الخلاص» و«الاختيار». كما لم تقم الصهيونية بالدعوة للحفاظ على التراث القديم، ولا إدخال تعديلات على الديانة ولا تجديدها. لذلك لا يمكن اعتبار الصهيونية حركة دينية، وإنما حركة سياسية استغلت مفاهيم دينية غير أصيلة في الديانة اليهودية، وتختلف الصهيونية عن الحركات الدينية اليهودية في أنها منحت هذه المفاهيم تفسيرات علمانية.

أحمد بلال

صحفي مصري متخصص في الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية، ورئيس تحرير موقع "إسرائيل الآن". عمل في عدة صحف مصرية وعربية، ويعمل حاليًا في صحيفة "المصري اليوم".

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق